محمد أبو زهرة

2055

زهرة التفاسير

فجمعهم ، وكانوا أذلاء فأعزهم ، وكانوا فقراء فأغناهم ، وكانوا مستضعفين في الأرض ، فمكن لهم فيها بمنه سبحانه وفضله ، كما قال تعالى : . . . فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ . . . ( 103 ) [ آل عمران ] . والأمر الثاني الذي ذكرهم الله تعالى به هو الميثاق الذي عقدوه مع الله تعالى ، والميثاق في اللغة : هو العقد الموثق المؤكد بيمين الله تعالى ، وقد كان العهد من جانبهم يوجب عليهم السمع والطاعة فيما يأمرهم به الله تعالى ، وفيما ينهاهم عنه ، فالعهد فيه التزام من جانبهم ، وهو السمع والطاعة ، ووعد من جانب الله تعالى بأن يوليهم نعمه ، ويهبهم النصر من لدنه ، وهو العزيز الحكيم ، وقد أكد سبحانه وتعالى ذلك العهد ، بقوله : الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ أي الذي عقده سبحانه وتعالى معكم ، وتبادل معكم توثيقه وتأكيده ؛ إذ إن واثق تقتضى المبادلة ، فالله تعالى ذو الجلال والإكرام هو الذي تولى ذلك الميثاق . والمفسرون يتكلمون في الميثاق ما هو ؟ قيل : هو الميثاق الذي أخذ بمقتضى الفطرة ، ولكن ذلك الميثاق لا يخص المؤمنين ، بل يعم البشر ، وقيل : إنه الميثاق الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وأهل يثرب في العقبة « 1 » ، ولكن هذا يخص الأنصار ، ولا يعم المؤمنين ، والحق أنه الميثاق الذي كان التواثق فيه على أساس التزام المؤمنين بالسمع والطاعة ، كما عين النص الكريم موضوعه إذ قال سبحانه : إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا أي في الوقت الذي التزمتم فيه بالسمع والطاعة ، وقد اختار ذلك ابن جرير ( وهو قول ابن عباس ) وقال في اختياره : « وأولى الأقوال بالصواب في تأويل

--> ( 1 ) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه : « بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه » فبايعناه على ذلك . رواه البخاري : الإيمان - علامة الإيمان ( 18 ) ، ومسلم : الحدود ( 1709 ) .